الحرب في اوكرنيا وتأثيرها علي كل دول العالم

8/8/20231 min read

الحرب أوكرانيا وكيفية تأثيرها على البلدان في جميع أنحاء العالم

بالنظر إلى الوضع الراهن في أوكرانيا والأزمة الإنسانية التي تسببت فيها، سيتأثر الاقتصاد العالمي بشكل كبير بتداعيات هذا الصراع. تتجلى تأثيراته عبر عدة جوانب، وقد يؤدي ذلك إلى تباطؤ نمو الاقتصادات وزيادة معدلات التضخم عالميًا.

من بين الآثار الرئيسية التي يمكن أن تحدث على مستوى العالم، يتصاعد ارتفاع أسعار السلع الأولية مثل الغذاء والطاقة، مما يسهم في دفع معدلات التضخم للأعلى وتقويض قوة الشراء للمواطنين والشركات. بالإضافة إلى ذلك، ستواجه الاقتصادات المجاورة تحديات في التجارة والإمدادات وتحويلات العاملين في الخارج، وهو ما يؤثر على استقرارها وقدرتها على التعامل مع التداعيات الناجمة عن الصراع.

من ناحية أخرى، يتوقع أن تتأثر ثقة المستثمرين والأعمال العالمية بسبب هذا الوضع السياسي المتوتر، مما يمكن أن يؤدي إلى تراجع أسعار الأصول وتحسين الأوضاع المالية وربما دفع بالاستثمارات للتراجع من الأسواق الناشئة.

يجدر بالذكر أن أوكرانيا وروسيا من أهم منتجي ومصدري السلع الأولية في العالم، وعليه فإن أزمتهما ستؤدي إلى اضطرابات في سوق الطاقة والغذاء عالميًا. ستشهد أسعار النفط والغاز الطبيعي زيادات حادة، وقد تتأثر أسعار القمح والمحاصيل الزراعية الأخرى أيضًا.

يُظهر هذا الوضع التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي، وبالتالي فإن التعاون الدولي والجهود المشتركة ستكون ضرورية للتصدي للتأثيرات الاقتصادية والإنسانية الناجمة عن هذه الأزمة العالمية.

إذا نظرنا إلى الآثار العالمية المتوقعة، سنجد أن البلدان التي ستكون عرضة لزيادة الضغوط هي تلك التي تمتلك علاقات تجارية وسياحية وانكشافات مالية مباشرة مع الدول المتضررة. الاقتصادات المعتمدة بشكل كبير على واردات النفط ستشهد عجزًا ماليًا أعلى وضغوطًا تضخمية متزايدة، على الرغم من أن بعض الدول المصدرة للنفط في الشرق الأوسط وإفريقيا قد يستفيدون من ارتفاع أسعار النفط.

زيادة حدة ارتفاع أسعار الغذاء والوقود قد تؤدي إلى احتمالات أكبر لحدوث أعمال شغب في مناطق مختلفة، من إفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية إلى القوقاز وآسيا الوسطى، ومن المتوقع زيادة انعدام الأمن الغذائي في بعض مناطق إفريقيا والشرق الأوسط.

بالرغم من صعوبة تحديد مدى هذه التداعيات، يظهر أن هناك احتمالات لتخفيض توقعات النمو في المستقبل القريب، خاصةً عندما ننظر إلى "آفاق الاقتصاد العالمي" وتقييماتنا الإقليمية.

في المدى البعيد، قد يؤدي هذا النزاع إلى تغيير النظام الاقتصادي والجيوسياسي العالمي بشكل جذري، إذ قد يحدث تحول في تجارة الطاقة وتعديل في سلاسل الإمداد وتجزئة شبكات المدفوعات، وقد تعيد الدول النظر في حيازاتها من عملات الاحتياطي. زيادة التوترات الجيوسياسية قد تهدد بمزيد من التشتت الاقتصادي وتأثيراتها ستكون واضحة خصوصًا على مستوى التجارة والتكنولوجيا.

أوروبا

تواجه أوكرانيا خسائر جسيمة حاليًا، ومع فرض عقوبات غير مسبوقة على روسيا، يتوقع أن تتضاءل الأنشطة المالية والتجارية، مما يؤدي إلى تفاقم الركود في المنطقة. انخفاض قيمة الروبل يزيد من معدلات التضخم ويؤثر على مستويات المعيشة للسكان.

تشكل الطاقة القناة الرئيسية لانتقال التداعيات في أوروبا، حيث تعتبر روسيا مصدرًا رئيسيًا للغاز الطبيعي المستورد. قد تؤدي هذه الوضعية إلى انقطاعات واسعة النطاق في سلاسل الإمداد. وتتسبب هذه الآثار في زيادة التضخم وبطء التعافي من تداعيات الجائحة. ومن المتوقع أن تشهد أوروبا الشرقية زيادة في تكاليف التمويل وزيادة تدفق اللاجئين، حيث استقبلت بالفعل أكثر من 3 ملايين لاجئ هربوا من أوكرانيا حسب بيانات الأمم المتحدة.

سيواجه الحكومات الأوروبية أيضًا ضغوطًا مالية على ميزانياتها العامة نتيجة زيادة الإنفاق على تأمين مصادر الطاقة وميزانيات الدفاع.

على صعيد آخر، قد تتزايد الضغوط على الأسواق الصاعدة إذا سعى المستثمرون للبحث عن ملاذات آمنة، ومن المحتمل أن تقلل الانكشافات الخارجية لأصول روسيا من أهميتها بالنسبة للمعايير العالمية. في الوقت نفسه، يتم التعامل بشكل محدود مع الانكشافات المباشرة للبنوك الأوروبية فيما يتعلق بروسيا، وتُعتبر قابلة للتحكم.

القوقاز وآسيا الوسطى

إذا نظرنا إلى مناطق خارج أوروبا، ستكون هذه البلدان المجاورة أكثر تأثرًا بالتبعات الناجمة عن الركود في روسيا والعقوبات المفروضة عليها. تتمثل روابطها الوثيقة مع روسيا في مستويات التجارة ونظم المدفوعات، وهذا سيؤدي إلى تقليص النشاط التجاري وتقليل التحويلات المالية الخارجية والاستثمارات وحركة السياحة، مما سيؤثر سلبًا على النمو الاقتصادي ويرفع معدلات التضخم ويؤثر على موازنات الحسابات الخارجية والمالية العامة.

بالرغم من أن ارتفاع أسعار السلع العالمية قد يعود بالنفع على الدول المصدرة للمواد الأولية، إلا أن هذه البلدان تواجه مخاطر من تراجع صادرات الطاقة إذا استمرت العقوبات وتم تطبيقها على خطوط الأنابيب التي تمر عبر روسيا. تعتمد هذه البلدان بشكل كبير على إيراداتها من صادرات النفط والغاز، وبالتالي فإن أي تقييد في هذه الصادرات قد يؤثر سلبًا على اقتصاداتها واستقرارها المالي.

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

يتوقع أن تواجه المنطقة تداعيات قوية نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتضيق الأوضاع المالية عالميًا. في دولة مثل مصر على سبيل المثال، تعتمد 80% من وارداتها من القمح على مصدريها روسيا وأوكرانيا، كما أنها تعتمد بشكل كبير على السياحة الوافدة من هاتين الدولتين، ومن المتوقع أن تشهد انكماشاً في الإنفاق السياحي.

قد تفرض السياسات الهادفة إلى مكافحة التضخم، مثل زيادة الدعم الحكومي، ضغوطًا إضافية على الحسابات المالية العامة التي بالفعل ضعيفة. بالإضافة إلى ذلك، قد تزيد تصاعد الأوضاع المالية الخارجية من تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج، وتزيد من التأثيرات العكسية على نمو البلدان التي تعاني من مستويات عالية من الدين واحتياجات تمويلية كبيرة.

قد تؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة التوترات الاجتماعية في بعض البلدان التي تعاني من ضعف في الشبكات الاجتماعية السليمة، ونقص في فرص العمل، وقدر محدود للإنفاق من المالية العامة، وحكومات غير شعبية.

إفريقيا جنوب الصحراء

بينما كانت القارة تشهد تدريجياً عودة للتعافي من الآثار الاقتصادية للجائحة، جاءت الأزمة الحالية لتهدد هذا التقدم المحقق. تعتبر الكثير من بلدان المنطقة عُرضة لمخاطر كبيرة نتيجة تداعيات الحرب وزيادة أسعار الطاقة والغذاء، بالإضافة إلى تراجع قطاع السياحة وتحديات الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية.

يأتي هذا الصراع في وقت تشهد فيه معظم بلدان المنطقة ضيقًا في المجال المالي المتاح لمواجهة تداعيات الأزمة. من المتوقع أن يزداد الضغط الاجتماعي والاقتصادي، وتتعرض البلدان لمخاطر متزايدة للديون العامة، وتفاقم الآثار الاقتصادية للجائحة التي كانت بالفعل تؤثر على ملايين الأسر والشركات.

تثير ارتفاع أسعار القمح مخاوف كبيرة في المنطقة التي تعتمد على استيراد حوالي 85% من إمداداتها من هذه المحصول، وثلثها يأتي إما من روسيا أو أوكرانيا. تتعرض الاقتصادات المعتمدة بشكل كبير على هذه السلعة لتحديات كبيرة نتيجة لارتفاع أسعارها إلى مستويات قياسية.

تمثل أسعار الغذاء والطاقة القنوات الرئيسية لنقل التداعيات، ومن المتوقع أن تكون تأثيراتها جسيمة في بعض الحالات. قد يؤدي ارتفاع أسعار السلع الأولية إلى تسريع وتيرة التضخم في أمريكا اللاتينية والكاريبي، حيث تشهد بعض أكبر اقتصادات المنطقة معدلات سنوية تصل في المتوسط إلى 8%. وقد يتطلب من بنوك تلك الدول المركزية الدفاع عن مصداقيتها في مكافحة التضخم.

تباينت آثار ارتفاع أسعار السلع الأولية على النمو. بعض دول أمريكا الوسطى والكاريبي المستوردة للنفط تأثرت سلبًا، في حين يمكن للدول المصدرة للنفط والنحاس وخام الحديد والذرة والقمح والمعادن أن تفرض أسعارًا أعلى على منتجاتها، مما يخفف تأثيرها على النمو.

حاليًا، لا تزال الأوضاع المالية نسبيًا مواتية، ولكن اشتداد حدة الصراع قد يؤدي إلى ضيق مالي عالمي يتطلب تشديد السياسة النقدية المحلية، مما يؤثر على النمو.

على الرغم من أن الولايات المتحدة لها علاقات محدودة مع أوكرانيا وروسيا، فإن التضخم كان قد ارتفع بالفعل إلى أعلى مستوياته على مدار أربعة عقود قبل أن يتسبب الصراع في رفع أسعار السلع الأولية، وهو ما يعني أن الأسعار قد تستمر في الارتفاع بينما يبدأ الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة.

الصدمات العالمية

من المتوقع أن يكون تأثير انتقال التداعيات من روسيا إلى آسيا والمحيط الهادئ محدودًا نظرًا لعدم وجود علاقات اقتصادية قوية بينهما، ولكن بطء النمو في أوروبا سيؤدي إلى تداعيات كبيرة على البلدان المصدرة الكبرى.

أكبر التأثيرات على الحسابات الجارية ستظهر في اقتصادات رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) والهند والاقتصادات الواعدة من بعض جزر المحيط الهادئ التي تستورد النفط. ومن الممكن أن تتفاقم تلك الآثار بسبب تراجع السياحة في البلدان التي تعتمد بشكل كبير على الزيارات الروسية.

فيما يتعلق بالصين، من المتوقع أن تكون التأثيرات المباشرة أقل نظرًا لدفعة التحفيز المالي التي ستدعم هدف النمو لهذا العام وهو 5.5%. وعلى الرغم من أن مشتريات روسيا من الصادرات الصينية قليلة نسبيًا، إلا أن ارتفاع أسعار السلع الأولية وضعف الطلب في كبرى أسواق التصدير يضيفان إلى التحديات التي تواجهها.

تواجه اليابان وكوريا تداعيات مماثلة، وقد يؤدي تقديم دعم جديد للنفط فيهما إلى تخفيف تلك الآثار. ومع ارتفاع أسعار الطاقة، سيرتفع التضخم في الهند والذي بلغ بالفعل الحد الأعلى للنطاق الذي يستهدفه البنك المركزي.

يُتوقع تراجع ضغوط أسعار الغذاء في آسيا بفضل الإنتاج المحلي والاعتماد على الأرز أكثر من القمح. ومع ذلك، قد ترفع واردات المواد الغذائية والطاقة المكلفة أسعار المستهلكين، لكن الدعم والحدود العُليا المقررة لأسعار الوقود والغذاء والأسمدة قد تخفف من تأثيرها المباشر - وإن كانت التكلفة ستكون على عاتق المالية العامة.

تركت الحرب التي شنتها روسيا على أوكرانيا آثارها على المنطقة والعالم بأسره، فلم تقتصر عواقبها على الأوضاع في هذين البلدين فحسب، بل أثرت على الاقتصادات العالمية بشكل عام. وتحتكم هذه الصدمة إلى أهمية وجود شبكة أمان عالمية وترتيبات إقليمية لحماية الاقتصادات من التأثيرات السلبية لمثل هذه الأزمات.

قالت السيدة المديرة العامة لصندوق النقد الدولي خلال جلسة إحاطة صحفية في واشنطن: "إننا نعيش في عالم معرض للصدمات بشكل أكبر". وأضافت: "نحتاج إلى تكاتف جهودنا للتعامل مع التحديات المقبلة".

قد لا يكون الوضع واضحًا تمامًا حاليًا بالنسبة لبعض الآثار الاقتصادية لهذه الأحداث، ولكن هناك بالفعل علامات واضحة على أن الحرب والزيادة المفاجئة في تكاليف السلع الأولية الضرورية ستزيد من التحديات التي يواجهها صانعو السياسات في بعض البلدان للمحافظة على توازن الاقتصاد ومحاولة دعم عملية التعافي من الآثار الاقتصادية الناجمة عن جائحة كوفيد-19.

نصف الكرة الغربي
آسيا والمحيط الهادئ